الآن، وبعد انتهاء زيارة الأربعين، أجد من واجبي، وأنا قطرة في هذا البحر المتلاطم، أن أستند إلى حصيلة أحد عشر عامًا من المشاركة في مسيرة الأربعين، لأبوح ببعض الملاحظات والتأملات.
1. إن زيارة ومشاية الأربعين ليست كرنفالًا دينيًا، ولا مسيرة سياسية. هذه الظاهرة شعيرة دينية وطقس تعبدي! والشعائر تأتي امتدادًا للأصول العقدية والضروريات الدينية؛ وهذا بطبيعته يحتاج إلى بحث مستقل، لكن الخلاصة في موضوعنا أن تقليل الشعائر إلى مجرد كرنفال ديني، أو استغلالها لأهداف وحسابات سياسية، أو السعي للعبث بهيئتها الأصيلة والمساس بجوهرها، ليس سوى انتقاص من المكانة الحقيقية لهذه الظاهرة الإنسانية العظيمة ودورها الرسالي. قد نظن أننا نحقق مصلحة عابرة، لكن لا شك أننا سنخسر الكثير غدًا مغبونين وسنكون أمام الله والتاريخ مسؤولين.
مسيرة الأربعين وثلاث قيم كبرى
2. من موقع الإنسان المجرِّب، وبعين المتأمل الذي يعرف شيئًا من التاريخ والمجتمع والإعلام، ومن دون أن أحمّل نفسي رسالة تتجاوز المحسوس والمعقول، وجدت أن جوهر زيارة ومشاية الأربعين يتمثل في ثلاث قيم كبرى، هي المواساة، وتجديد العهد، والشفقة.
المواساة
2.1- إن المواساة (Empathy) مع واقعة كربلاء والمظلومية التاريخية جعلت من التشيع شعلة متقدة في كل عام، ومحركًا ودافعًا لهوية الشيعة في تاريخهم وحياتهم، فأبقتهم، بوصفهم جزءًا صغيرًا من الأمة الإسلامية، أحياء، وفاعلين، ومتقدمين عقائديًا، واجتماعيًا.
تجديد العهد
2.2 تجديد العهد في زيارة وشعيرة الأربعين هو إعادة وصل الشيعة بميثاقهم العقدي وقاعدتهم المحورية؛ ذلك العهد الرافض للظلم وللمتجاوزين على الحقوق الإنسانية. في الأربعين، نتذكر ألا نغفل ولا نلين أمام المجرمين، في أي زمان ومكان، وأن بقاء هذا الميثاق في الذاكرة الحية وتجسيده في إطار شعيرة دينية، يضمن ديمومة الرسالة، ودينامية العقيدة.
ولا يخفى أنني على إيمان بأن أهمية الشعائر الدينية تكمن أساسًا في هذا الوصل، والحفاظ على المواثيق والمبادئ الدينية وإحياءها. وفي الأربعين، يتحقق هذا بواسطة التجربة الفردية أو الجماعية للناس، فيستقر في وجدانهم وذاكرتهم التاريخية. وفي كلمة واحدة، فإن الشعائر هي التي تحفظ المعتقد والميثاق حيًا وفاعلًا وحاضرًا في الذاكرة.
الشفقة
2.3- الشفقة، في تجليها الأربعيني، هي إثمار وتفعيل مجموعة من الصفات والفضائل والملكات في الإنسان ومن أجل الإنسان. وهي التي تساعد الشيعة في هذا الفعل الشعائري، وتجديد العهد، والمواساة، على أن يكونوا أكثر صفاءً ولمعانًا ونقاءً. هنا، لا أحد له هوية أو لقب أسمى من «الخادم» و«الزائر»!
أي أنّه هنا لا مقام وعنوان أسمى وأعلى من «الخادم» و«الزائر». ولنيله لا مفر لأي شخص من أن يقوي فضائله وصفاته الإنسانية أكثر فأكثر.
أما بقية الألقاب والعناوين السياسية والاجتماعية والعلمية، فسواء شئنا أم أبينا، فلا تغني عن هاتين المنزلتين. ولا أهمية بتاتًا، لمكانتنا وخلفيتنا، أو ما يتصوره الآخرون عنا. فكل إنسان إذا تأمل قليلًا في ذاته، سيجد علاقته بهذين اللقبين، كما قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾.
ومن هذا المنطلق، أظن أن «الشفقة» هي أكثر المفاهيم التي تبرز بواسطتها الفضائل الأخلاقية والملكات الإنسانية ضمن ثنائية الزائر والخادم، وفي العلاقة بينهما. وهو بالذات المعنى الذي يحتاجه- أكثر من أي شيء آخر- عالمنا وحياتنا المليئة بالتقلبات والاضطرابات. فهو يدرّ الفائدة والمنفعة لكل حالات البشر، وتمثل شعيرة الأربعين وكسوة الخادم والزائر، فرصة ذهبية لنمائه.
ما قد يكون علاجًا لنا قد يكون قاتلًا لغيرنا!
3. إن هذه الشعيرة تعمل في الساحتين الفردية والجماعية بين الزوّار والخَدَمة، لكنها لا تتخذ في كلٍّ منهما صورة واحدة، وربما لا ينبغي ذلك! فالمطالبة بالمساواة التامة هنا تعني التبسيط والانتقاص. وكما قال أستاذنا: “الإنسان ليس علبة سجائر تتساوى كل محتوياتها في الحجم والشكل والطول!”.
فلنتذكر أننا نملك قرارًا وتفهمًا نابع من تجاربنا، وكذلك لدى الآخرين تجاربهم وفهمهم. فالبشر ليسوا نسخًا متطابقة، وكل إنسان ابن بيئته وتجربته، ثقافيًا واجتماعيًا وحتى بيئيًا. فعلينا أن نتعلم أن نمارس الشفقة مع المختلفين عنا، لا أن نطالبهم بأن يكونوا نسخًا منّا. فما قد يكون علاجًا لنا قد يكون قاتلًا لغيرنا.
استثمار المشاركة المليونية في مسيرة الأربعين
4. وبناءً على ما سبق، أخاطب إخوتي وأخواتي الأعزاء، حيثما كانوا، ممن يرون الأربعين عبر عدسة السياسات الحكومية أو عبر القراءة الدينية الرسمية والسياسة الدينية، وينتقدون السياسات الداعمة لهذه المسيرة الكبرى لشيعة العالم: أحبتي، حتى يوم كتابة هذه السطور، دخل العراق، وفق الإحصاءات الرسمية، ثلاثة ملايين وستمئة ألف إيراني! هؤلاء، الذين يقترب عددهم من أربعة ملايين، ينتمون إلى شرائح اجتماعية مختلفة، وغالبًا من الطبقات المتوسطة والفقيرة. هؤلاء الأربعة ملايين هم إخوتكم وأخواتكم وشركاؤكم الدائمون في إيران الحبيبة.
وبنظرة أكثر دقة، ستجدون أن هؤلاء الملايين ليسوا وحدهم، بل لهم أسر وامتدادات، وإذا جمعناهم جميعًا في حسابنا، فلن يصعب أن ندرك أنه، سواء شئنا أو أبينا، وسواء كنا مع السلطة أو ضدها، فإن عددًا كبيرًا من مواطنينا قد اختاروا أن يكونوا زوارًا أو خدّامًا في هذه التجربة الروحية والاجتماعية.
وهي تجربة، كما ذكرت، قبل كل شيء، تجديد عهد مع المبادئ السامية الإنسانية، وورشة لممارسة الشفقة الإنسانية، وإن نُظر إليها بحكمة، واستُفيد منها بحنكة، فإن ثمارها المفرحة ستنعكس عاجلًا أو آجلًا، قريبًا أو بعيدًا، على جميع أبناء المجتمع الإيراني، بل والمجتمعات الأخرى.
احترام خيار الآخرين
ولا شك أنكم لم تنسوا كيف تحوّل خدّام المواكب الحسينية، في فيضانات خوزستان وزلزال كرمنشاه، إلى طاقة تضامن وعمل جماعي.
ومن باب الإنصاف والإنسانية، أقول، وأنا أعلم أن في قلوبكم شعلة متقدة، حتى وأنتم منتقدون للنظام، لكن أليس من الطبيعي، ما دام الحكم في خدمة الشعب، أيًّا كان، أن يحترم خيار هؤلاء المواطنين، وألا يقصّر في تسهيل سفرهم وخدمتهم؟!
كذلك أعلم أن هناك الكثير من الملاحظات والانتقادات حول التفاصيل والأبعاد. وليس خافيًا على الله، ولا عليكم، أنني أتفق مع كثير من انتقاداتكم المحقة، بل وأغضب وأتألم معكم، لكن، إن كنتم توافقون، أليس من الإنصاف أن نحترم خيارهم، وأن نيسر لهم طريقهم، بدل أن نحمل عليهم وزر خلافاتنا مع السلطة؟
علمًا، أننا كلنا نقف في مكان واحد، ولنا مصير مشترك. فالحاقد الذي يسعى لتأجيج نار الفتنة بيننا، يوم أسقط صواريخه وسط شوارع وساحات مدننا، لم يكن يهمه، عقيدتنا ولا ميولنا السياسية!
أدب الحاجة
5. أذكّر نفسي، وإخواني وأخواتي الزائرين والخدّام، وقبلهم أهل السياسة والسلطة، أن الإمام الحسين (ع) وعاشوراء والأربعين لم يكونوا بحاجة إلينا يومًا.
فيوم عاشوراء، حين بقي الإمام الحسين وحيدًا مع اثنين وسبعين من أصحابه وعدد من النساء والأطفال في أرض كربلاءـ ثم سقط مضرجًا بدمه دون أن يتراجع عن قوله: “وكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل”، و… “ومن لحق بي فليُستشهد، ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح”، لم يكن بحاجة لي ولك منذ عصر عاشوراء، بل نحن الذين نحتاج أن نلبي نداءه السامي منذ عصر ذاك اليوم حتى آخر الدهر.
فالحسين الذي أعرفه أنا، لم يفقد شيئًا من مقامه ومكانته، ولن، مهما تغيرت الأحوال أو كثرت الأهوال.
إذن، ما دمنا نحن -وأنت أيضًا أيها المسؤول والسياسي الذي تقرأ هذا النص- المحتاجين إلى هذه الشعيرة وهذه الزيارة، فليكن أدب الحاجة هو دأبنا. فأنا، إذا جئت أخدم الزوار عن حاجة، لا أعلّق صورتي أو صورة قائدي أو حزبي على موكب، ولا أتباهى بعددي وجماعتي واستعرض قوتي فيها.
إن جئت لتكون إنسانًا وتمارس الشفقة، فاجعلها خالصة، ولا تتصرف بخشونة أو اعتداء أمام موكب آخر، ولا تقطع صلاة الناس في حرم سيد الشهداء (ع)، ولا تفرض وصايتك على أهل بلد آخر، ولا تملي على صاحب الدعوة والضيافة كيف يتصرف.
فإذا كنا حقًا نطلب نور هداية الإمام الحسين، فلنأتِه بأدب المحتاج، لا بروح الاستعراض أو التعالي، ولا بفرض الوصاية.